Mariam al Farwaneh

The Gazan Freelancer Battling Crisis and Inspiring Change

مريم.. أم فلسطينية في مواجهة مع العالم

 مريم فروانة.. أم ومترجمة ومنتسبة إلى Gaza Sky Geeks كمدربة عمل حر على مدار أكثر من أربع سنوات ألهمت فيها ما يزيد عن 1000 متدرب ومتدربة في مجال العمل الحر والخدمات اللغوية. سابقًا، كانت الثُّلة الأوائل الذين انطلقوا في رحلة العمل الحرّ في غزة. وبينما تروي ما كانت عليه بملامحها المتحمسة للحياة قبل السابع من أكتوبر، حلقت بجناحين لا يقوضها حدود امرأة وهبت حياتها للعلم والتعليم. ماضيًا، هي أم ترعى أربعة أطفال داخل بيت محموم بالدفء والحب باحتياجاتهم الكثيرة التي لطالما لبتها بكل حنان وعطف، وإلى جانب أمومتها المتقدة بالطموح، اندمجت بمجالات تعليميه مختلفة وجسدت قدرة المرأة الفلسطينية على العطاء فكانت مدربه في مجال الحرّ ومترجمة تنخرط بالتكنولوجيا والحداثة دون أي عجز.

النزوح إلى رفح.. قطعة من العذاب

ثم كان يوم الجمعة، الثالث عشر من تشرين الأول بعد أسبوع أقل ما يمكن وصفه بأنه جنوني..  هدير الغارات العاتية والانفجارات الكثيفة، يوم اكتظت القلوب بالخوف والأسى والترقب، بعد أن أمطرت يومها مناشيرالأخلاء والنزوح للجنوب، اتخذت مع زوجها قرار النزوح دون هوادة فلن يتركوا أبناءهم وأنفسهم للموت، وكان اعتقادها كالجميع أيام وتعود فتركت البيت والذكريات فيه ولم توظب سوى حقيبة وكانت لا تكاد تتسع لثيابهم، لتسع البيت والذكريات فيها وهل يوضع البيت في حقيبة!! وتمنت بعدها فعلاً لو انها حملت البيت في حقيبة!

قضت أول تلك الشهور في رفح جنوباً في روتين قاتل من الاستيقاظ مبكرًا والمتابعة الحثيثة لجدول المياه والمواد التموينية، إلى جانب ذلك كانت ترسل أجهزة البيت مع إياس – أكبر أبناءها – للشحن في مسجد قريب أو عند جيرانهم أو في مرافق المستشفى الإماراتي في تل السلطان. تخبرنا مريم، ما إن أنتهي من تحضير الفطور، أبدأ رحلة من التفكير في الوجبة القادمة، من سيأتي بالحطب، ومن أين، ومن سيشغل النار.. وأين!! ذلك أورثها ضغطًا نفسيًا تمالكت نفسها من الانهيار بحجة ابقاء الاثر الطيب ولكن ذلك لم يمنع من المناكفات وعلاوة على ذلك الغلاء المعيشي والاحتياج المالي.

كيف تُحافظ على احترافيتك أثناء النزوح

في غمرة ذلك كله انتبهت أنها تتحول لشخص ترفضه واتخذت قرار مصيري أن تتحدى تلك المعيقات وتعود للعمل فهي امرأة ألهمت ما يزيد عن عدد كبير من الخريجين، ومهدت لهم الطريق نحو سوق العمل، وعلى الفور استعارت حاسوب محمول وعادت بداخلها عزم واصرار محمولان على كتفي إرادة تعاند فيهما انقطاع الكهرباء والانترنت، وغياب أماكن العمل، والبعد عن الزملاء والمجتمع الذي كان يحفزها للمضي قدماً.  تواصلت مع قائمة العملاء السابقين، فكانت تنهض باكرًا وملاك النوم لم يغادر زوايا البيت قاطعه مسافة لا تقل عن ٢ كيلو متر لتصل لأقرب نقطه إنترنت وتجلس مصرّة لتعمل على تطويع التحدي الاكبر وهو اقناع العملاء بجهوزيتها وحرفيتها على تقديم العمل في وقته المحددة بدقة وبالجودة المقدمة عادةً، دون اظهار ظروف الحرب القاهرة والقاسية وبذلك تهرب من بطش شعورها بالعجز. وبعد شبه استقرار، يغدرها نزوح جديد، فرفح لم تعد آمنه وتعود مريم لنفس دوامة النزوح الأول وخوف لا يبرر من انها ستعود للصفر مرة أخرى وهل سأتمكن من العودة! أين سنمكث!! لا نعرف أحدً!! هل سنسكن الخيام!!  كيف سنتعايش! كانت أسئلة ممزوجة برفض قاطع داخلها لحياة الخيام! ولكن في النهاية، فرض الواقع رأيه وحملت امتعتها واحلامها وهمومها لتستقر بين أربعه قطع من القماش في دير البلح.

إن لم يكن بيدك محو المأساة، فعلى الأقل أن تخففها

في تلك اللحظة! ما ظنت سابقاً بأنه حرب، اتضح انه كان مقدمة، فامرأة لم تجرب حياة الخيام من قبل – كأي غزي – لكنها الآن جربت صفعة الواقع التي كانت أقوى، وقضت أيامها الأولى بضنك وقهر وهواجس وتمضي الايام عليها بأبطأ مما كانت تظن وهي ترى أبنائها دون تعليم وتأسى لحالهم. وهنا تكتشف أن جذوة الأمل فيها لم تخمد بعد! فتبدأ عاكفه على تدريس أبنائها بنظام تربوي متكامل يتضمن أغلب المهارات التي يحتاجها الطفل في السن من 6 – 14 سنة. أبصرت مريم في عيون أطفال المخيم التعب والبؤس والمستقبل الضبابي وتقرر إن لم يكن بيدها محو المأساة، فعلى الأقل أن تخففها، وفي جلسة عائلية جمعت مريم بساء اخوتها، اخبرتهن عن رغبتها بتدريس أطفالهن وتخصيص خيمة لذلك. رحبت الأمهات بفكرتها لما يدركن في أنفسهن من أهمية للتعليم وشفقة على مستقبل هؤلاء الأطفال. بعد أن بدأت بخيمة واحدة فقط، ألهمت مريم العديد من الجهات، وتمكنت من جمع مبلغ مالي يمكنهم من فتح أربع فصول (خيم) دراسة بعد أن انضمت لها رفيقاتها ليكن لهن يد في تغيير هذه المرارة.

تكمن احترافية هذا الفريق في الطريقة التي أعلنوا فيها رسمياً إطلاق هذه المبادرة العائلية – أطلقوا عليها لاحقاً اسم "مخيم الفرات"، اجتهدت مع رفيقاتها قبل البدء في تهيئة الجانب الصحي للأطفال المنتسبين معها، فتواصلت مع النقاط الطبية طلباً مساعدتهم لتطعيم الاطفال وعلاجهم من الامراض الجلدية والكبد الوبائي التي كانت منتشرة وقتها، إلى جانب سوء التغذية والنزلات المعوية. افتتحت الفصول بعد ما اطمأنت على صحة طلابها لتبدأ ورفيقاتها رحلة إغاثة المستقبل المكلوم ضمن نظام تعليمي محكم بخضع للمتابعة والتوجيه ويشمل أنشطة لامنهجية للتفريغ عن داخل تلك الزهور التي أوشكت ان تذبل لعلها لو تنسيهم بدلك القليل من ويلات الحرب والى جانب كل ذلك، هي الآن متطوعة الآن في أحد مساحات العمل ضمن المشاريع الريادية التي تساعد مجموعة من العاملين في مجال العمل الحر، أولئك الدين يسخطون على روح العجز إذا ما تملكت منهم ويحاولون الظهور مرة ثانية. فبخبرتها، تأخذ بأيديهم نحو بر يمكن اعتباره آمن.

لا شيء يصد الروح عن تحليقها

تقبع هنا مريم بوجهها الذي غيرته الحرب، وتنظر الى ما زرعته، وتنتظر أن يلتفت العالم الى المحاصرين داخل احلامهم، فلم تجردهم الحواجز عن السعي ولم تمنعهم الحرب عن الحب والتجذر في هذه الأرض. تطلب مريم ورفيقاتها من العالم أن ينظروا لأنامل الاطفال التي من المفترض ان تمسك قلمًا والوانًا بدل قِرَب الماء، وأن ينظروا لكعوبهم التي من المفترض أن تذهب للمدرسة أو ترقص في الساحات، لا للنزوح والعمالة والوقوف في طوابير الخبز والماء. تهمس مريم لرفاقها. تدفئهم بظل عباراتها وتقول (الصوت الذي يصدر منكم بخجل لا يُسمع ولا يسافر!)

الوصولية
الرسوم المتحركة
تباين الألوان
حجم النص
تمييز المحتوى